المقريزي

11

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

السّلطان ظنّا منه أنّه حدث مهم للسّلطان فمنع من العود وأمر أن يمضي لداره ، وعاد فتح اللّه إلى السّلطان وطال جلوسه عنده فمن يومئذ خضع له الأمير بيبرس وتيقّن اختصاص فتح اللّه بالسّلطان ، وصار لفتح اللّه بالسّلطان مجلسان في كل جمعة بداخل داره حيث لا يصل الأمير بيبرس ولا غيره من الأمراء إليه ، فاشتهر عند أهل الدولة تميزه وتمكنه . إلا أنّه لبعده عن صناعة الإنشاء عوّل في أمور الديوان على شمس الدّين محمد ابن الصّاحب ، فاستضعف وسلك مع النّاس في كتابة السّرّ أحسن الطّرق من بشاشة الوجه وإمضاء قصص الرافعين والجلوس من غير تحجب ولين الكلام والتّواضع ، فلما مرض السّلطان أقام عنده ليلا ونهارا يتولّى علاجه فجعله أحد أوصيائه ، فاستقرّ من بعده في كتابة السّرّ إلى أن تنكّر له الأمير يشبك الدوادار فقبض عليه في يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثماني مائة واستقر عوضه سعد الدّين إبراهيم ابن غراب ، وأسلم فتح اللّه إلى الأمير ناصر الدّين محمد ابن كلفت والي القاهرة فعوقب وصودر وساء هو في العقوبة إذ تغيرت الدولة بفرار الملك النّاصر فرج بن برقوق وأقيم بدله أخوه المنصور عبد العزيز بعد ستة أيام ، فقام الأمير تمراز وأم المنصور عبد العزيز في أمر فتح اللّه حتى أفرج عنه على أن يحمل خمس مائة ألف درهم . وكان سبب هذه النّكبة أنّ الأمير يشبك لما ركب في جمادى الأولى سنة سبع وثماني مائة وحارب السّلطان الملك النّاصر وقد انضم إليه سعد الدّين ابن غراب وجماعة من الأمراء بعث هو وابن غراب إلى فتح اللّه يسألانه أن يعينهما بشيء من البارود الذي يعمل في النّفط الذي كانوا يرمون به على القلعة وإنّما كان القصد أن يبعث إليهما بمال ، فأنكر نفسه من قاصدهما واختفى منه ولم يبعث إليهما بشيء ، فلمّا فرّ الأمير يشبك وابن غراب إلى دمشق كانت عيال الأمير يشبك في مدّة غيبته بالشّام في دار بجوار فتح اللّه فلم يبعث إليهم شيئا ، ثم لمّا قدم الأمير يشبك والأمير شيخ نائب الشام بتلك الجموع وكانت وقعة السّعيدية